عبد الوهاب الشعراني

395

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

النّاس فيتبايعون لا يكاد أحد يؤدّي الأمانة حتّى يقال إنّ في بني فلان رجلا أمينا حتّى يقال للرّجل ما أظرفه ما أعقله ! وما في قلبه مثقال حبّة من خردل من الإيمان » . وفي رواية للإمام أحمد والبيهقي عن ابن مسعود أنه قال : « القتل في سبيل اللّه يكفر الذّنوب كلّها إلّا الأمانة ، قال : ثمّ إنّ الصّلاة أمانة ، والوضوء والوزن أمانة ، والكيل أمانة ، وأشياء عدّدها ، وأشدّ ذلك الودائع ، وتصديق ذلك في كتاب اللّه » ، قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [ النساء : 58 ] . وروى الطبراني مرفوعا : « لا إيمان لمن لا أمانة له » . وروى الترمذي : « إذا فعلت أمّتي خمس عشرة خصلة فقد حلّ بها البلاء ، فذكر منهنّ : وإذا اتّخذت الأمانة مغنما والزّكاة مغرما » الحديث . وروى أبو داود وابن أبي الدنيا عن عبد اللّه بن أبي المها رضي اللّه عنه قال : بايعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ببيع قبل أن يبعث ، فبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت ، فذكرت ذلك بعد ثلاثة فجئت ، فإذا هو بمكانه فقال : « يا فتى لقد شققت عليّ أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك » . وروى الشيخان مرفوعا : « علامة المنافق ثلاث : إذا حدّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان » . والأحاديث في ذلك كثيرة ، واللّه تعالى أعلم . [ الترغيب في الحب للّه والبغض للّه : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نحب للّه ونبغض للّه حتى زوجتنا وأولادنا وأموالنا وأعمالنا ، فلا يكون لنا في شيء من ذلك علة نفسانية أبدا وهذا العهد من أعز ما يوجد ، فإن غالب الناس يدعي المحبة للّه وهو كاذب . وقد أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السلام : « كذب من ادّعى محبّتي فإذا أجنّه اللّيل نام عنّي » ا ه . وسمعت مرة شخصا يقول لأخيه ، يا فلان محبتك للّه تشبه محبتي في العبادة ، تنام حتى يعشش العنكبوت على عينيك وتطلب محبة اللّه ، هذا زور وبهتان ا ه . فيحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى شيخ يسلك به الطريق حتى يوقفه في حضرة يشهد فيها وجه نسبة الأمور للحق دون نسبتها للخلق ، فإذا شهد ذلك المشهد يجد وجه الحق أجمل من كل جميل وأطيب رائحة من المسك ، فحجبه عن شهود وجه نسبة الأمور للخلق ، وأشهده وجه قبح وجه الخلق بالنسبة لوجه الحق ، كوجه الطاعة إذا تصورت صورة جميلة ووجه المعصية إذا تصورت صورة قبيحة ، فهل يصير أحد يقدم القبيح الصورة والرائحة مثلا ويؤخر الصورة الحسنة الطيبة الرائحة ؟ فهذا هو المراد بوجه الحق تعالى في كلام القوم . وإيضاح ذلك أن كل فعل مخلوق له وجهان : وجه إلى الحق يعني موافقا للشريعة ،